العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة

As received by email from Rehaf H. ;-) Thanks dear

تقبل الله طاعتكم وبلّغنا وإياكم ليلة القدر وجعلنا الله ممن يقومها إيمانا واحتسابا

 

العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة

 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعدُ: قال الله تعالى: {إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ ألفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ المَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بإذن رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ ﴾[القدر: 5-1].

 

ان أفضل الليالي من كل عام عشر ليال، العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي الليالي التي كان يحييها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها، وفيها ليلة خير من ألف شهر، وقد روى مسلم في «صحيحه» (1175) من طريق الأسود بن يزيد يقول: قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره. وكذلك روى البخاري (2024)، ومسلم (1174) في «صحيحيهما» من حديث عائشة رضي الله عنها قالت:

 

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجدّ وشدّ المئزر. وفسّر أبو بكر الصديق رضي الله عنه «شَدَّ المئزر» كما جاء في رواية لأحمد في «المسند» (132/1) بإسناد حسن من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا دخل العشر، أيقظ أهله، وَرَفَعَ المئزَرَ، قيل لأبي بكر: ما رَفَعَ المئزر؟ قال: اعْتَزَلَ النِّسَاء.

 

معنى ليلة القدر

إنَّها ليلة مشهورة ومشهودة ولفضلها وشرفها ذكرها الشعراء:

أيا ليلة بالخصب لَم تال شهرة
كما اشتهرت في فضلها ليلة القدر

التعريف: ليلة القدر هي ليلة يوم من أيام شهر في السنة، وهذا الشهر، شهر رمضان، قال تعالى: {إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ انَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان:4-3]، ومعنى القَدْر: قال ابن القيم في «شفاء العليل» (23/1): ان القدر مَصدر قدر الشيء يقدره قدراً، فهي ليلة الحكم والتقدير، وقال: الله سبحانه أخبر ان فيها يفرق، أي: يفصل الله ويبين ويبرم كل أمر حكيم» اهـ، قال ابن منظور في «اللسان» (74/5): القَدْرُ والقَدَرُ القضاء والحُكْم، وهو ما يُقَدِّره الله عز وجل من القضاء ويحكم به من الأُمور قال الله عز وجل: {إنا أَنزلناه في ليلة القَدْرِ}، أَي: الحُكْمِ كما قال تعالى: {فيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمر حكيم}ْ وأَنشد الأَخفش لِهُدبَة بن خشرَم:

 

ألا يا لَقَومي للنوائبِ والقَدْرِ
وللأَمرِ يأتي المرءَ من حيثُ لا يدري

 

وللأرض كم من صالح قد
تَوَدَّأَتْ عليه فَوَارَتْهُ بلَمَّاعَةٍ قَفْرِ

فلا ذَا جَلال هِبْنَهُ لجَلاله
ولا ذا ضَياعٍ هُنَّ يترُكْنَ للفقرِ

 

ليلة القدر والأمثال

وذهبت هذه الليلة يضرب بِها المَثل لفضلها وشرفها وقد ضرب بِها المَثل من قال:

فتى ترهب الأموال من ظل كفه
كما يرهب الشيطان من ليلة القدر

سأدعو له والناس دعوة مخلص
عسى ان يريح العاشقين من الهجر

ومن أحسن ما قيل في ضرب المثل بِها قول أَبِي الفتح البستي:

قيل لي قد خفيت قلت كبدر
صار يخفى من بعد ان كان بدرا

أنا خاف كليلة القدر في الناس
وعال كليلة القدر قدر

وقيل:

هي البدرُ حسناً والنساءُ كواكبٌ
وشَتَّانَ ما بين الكواكبِ والبدرِ

لقد فُضِّلتْ حسناً على الناس مثلَما
على ألف شهر فُضِّلتْ ليلةُ القَدْرِ

 

فضل ليلة القدر

ومن فضائل هذه الليلة:

1-  أنزل الله عز وجل فيها القرآن، قال تعالى: {إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ}[القدر: 1].

2- ونعتها بالليلة المباركة، قال تعالى: {إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} [ الدخان: 3 ].

3- وجعلها خير من ألف شهر، فقال تعالى: {لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ الفِ}، أي: ان العمل في ليلة القدر بِما يرضى الله خَيْرٌ من العمل في غيرها ألف شهر.

4- وفي هذه الليلة تنزل الملائكة بأمر ربّها تقوم بِما أنيط بِها من الأعمال في هذه الليلة.

5- قيام ليلة القدر من الايمان، وفيها تغفر الذنوب وتمحي حسناتُ هذه الليلة الذنوب، والدليل ما رواه البخاري (35)، ومسلم (760) في «صحيحيهما» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قام ليلة القدر ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، وقال البخاري في «صحيحه»: باب قيام ليلة القَدْر من الايْمان.

6- وذكر الطبري في تفسيره من فضلها: قال قتادة: ان الله اصطفى صفايا من خلقه اصطفى من الملائكة رسلاً، ومن الناس رسلاً، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فعظموا ما عظم الله، فإنما تعظم الأمور بما عظمها الله عند أهل الفهم وأهل العقل اهـ.

 

علامة هذه الليلة، تخرج الشمس بيضاء لا شعاع لَها

ومن علاماتِها:

1- تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لَها.
2- مثل الطست ليس لَها شعاع حتى ترتفع.
3- تخرج مُستوية ليس لَها شعاع مثلَ القمر ليلة البدرِ.
4- صافيةٌ بَلْجَةٌ ساكنة ساجية.

لِما رواه مسلم في «صحيحه» (762) من حديث أُبيّ بن كعب رضي الله عنه، وقيل له: ان عبدالله بن مسعود يقول: من قام السنة أصاب ليلة القدر فقال أُبَي: والله الذي لا اله الا هو، انَّها لفي رمضان، يحلف ما يستثني ووالله، اني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا بِها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها، هي ليلة صبيحة سبع وعشرين، وأَمارتُها ان تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لَها.  أي، كأن الشمس في ذلك اليوم لا شعاع لَها، لغلبة نور تلك الليلة على ضوء الشمس.  ولذا جاء في رواية أبي داود في «سننه» (1378)، وأحمد في «المسند» (132/5) بسند حسن، قال: تصبح الشمس صبيحة تلك الليلة، مثل الطست ليس لَها شعاع حتى ترتفع، وفي رواية الترمذي في «السنن» (793) ما صح من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه قال: بلى، أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنَّها ليلة صبيحتها تطلع الشمس ليس لَها شعاع، فعددنا وحفظنا والله.

وقال عبادة بن الصامت رضي الله عنه: تخرج مُستوية ليس لَها شعاع مثلَ القمر ليلة البدرِ، وذكر ان أَمارة ليلةِ القَدْرِ: أَنَّها صافيةٌ بَلْجَةٌ كأن فيها قمراً ساطعاً ساكنة ساجية، لما رواه أحمد في «المسند» من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه (324/5)، قال ابن الأثير في النهاية في «غريب الحديث» (151/1): ليلة القدر بَلْجَةٌ أي مُشْرقة، والبُلْجةُ بالضم والفتح: ضوء الصبح، وقال ابن منظور في اللسان (215/2): والبَلْجَةُ بالفتح ويالبُلْجَةُ بالضم ضَوء الصبح، وبَلَجَ الصبح يَبْلُجُ بالضم بُلُوجاً، وانبَلَجَ وتَبَلَّجَ أسفر وأضاء.

 

تحرّي ليلة القدر والتماسها

ان تَحَرِّي ليلة القَدْرِ يكون فِي الوِترِ من العشرِ الأواخرِ من شهر رمضان، وبهذا تكون ليلة القدر في شهر معين من السنة هو شهر رمضان، وفي العشر الأخيرة منه، وفي الأوتار منها بلا تعيين ليلة بذاتِها، وسبب الابهام ما رواه البخاري في «صحيحه» (2023) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحَى رجلان من المسلمين، فقال: «خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحَى فلان وفلان، فرفعت، وعسى ان يكون خيراً لكم، فالتمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة».

وقوله: «وعسى ان يكون خيراً لكم»، ولعل ذلك ان يكون خيراً لكم، أي: قد يكون اخفاؤها خيراً لكم، لتجتهدوا فِي ليالي العشر كلها، فانه قد يكون اخفاء بعض الأمور رحمة لبعض الناس.

 

أولا: التماس ليلة القدر في العشر الأواخر عامة:

(1) روى البخاري (813)، ومسلم (1167) في «صحيحيهما» من طريق أبي سلمة بن عبدالرحمن بن عوف قال: انطلقت الى أبي سعيد الخدري فقلت: ألا تخرج بنا الى النخل نتحدث، فخرج، فقال: قلت: حدثنِي ما سَمعت مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم في ليلةِ القَدْرِ؟ قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر الأول من رمضان، واعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: ان الذي تطلب أمامك، فاعتكف العشر الأوسط، فاعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: ان الذي تطلب أمامك، قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا صبيحة عشرين من رمضان فقال: «من كان اعتكف مع النبي صلى الله عليه وسلم فليرجع، فاني أريت ليلة القدر، واني نسيتها، وانَّها في العشر الأواخر، وفي وتر، واني رأيت كَأَنِّي أسجد في طين وماء»، وكان سقف المسجد جريد النخل، وما نرى في السماء شيئاً، فجاءت قزعة فأمطرنا، فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم، حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرنبته تصديق رؤياه.

(2) وروى البخاري (2020)، ومسلم (1169) في «صحيحهما» من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في العشر الأواخر من رمضان ويقول: «تحرّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان».

 

 

ثانيا: تحري ليلة القدر في الوتر (خاصة) من العشر الأواخر:

(1) لما روى البخاري (2017)، «صحيحيه» من حديث عائشة رضي الله عنها، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تحرّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان».

(2) وروى البخاري في «صحيحه» (2021) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى».

(3) وروى أحمد في «المسند«(36/5) وابن أبي شيبة في «المصنف«(76/3)، والترمذي في «السنن» (794) بسند صحيح من حديث أبي بكرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «التمسوها في العشر الأواخر، لتسع يبقين أو لسبع يبقين أو لخمس أو لثلاث أو آخر ليلة».

 

 

ثالثا: التماس ليلة القدر في السبع الأواخر:

 

روى البخاري (2015)، ومسلم (1165) في «صحيحهما» من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ان رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أُرُوا ليلةَ القدر في المَنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحرّيها فليتحرّها في السبع الأواخر».

 

 

رابعاً: التماسها في ليلة سبع وعشرين:

 

قال به بعض الصحابة، وفي هذا روى الترمذي في «سننه «(793) من طريق زر بن حبيش قال: قلت لأُبيّ بن كعب: أَنَّي عَلمتَ أبا المنذرِ! أَنَّها ليلة سبع وعشرين! قال: بلى أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنَّها ليلةٌ صبيحتها تطلع الشمس، ليس لَها شعاع، فعددنا وحفظنا، والله، لقد علم ابن مسعود أَنَّها في رمضان، وأَنَّها ليلة سبع وعشرين ولكن كره ان يخبركم فتَتَّكِلوا. قال أبو عيسى: «هذا حديث حسن صحيح». قلت: وهو كما قال.

 

 

الدعاء في ليلة القدر

والدعاء فيها: يحسن الدعاء فيها بأفضل الدعاء وأحسنه، ولا يعتدي أحد بدعائه، ولا يتجاوز ولا يتخذ وسائط في دعائه، ويختار من الدعاء الثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد روى أحمد في «المسند» (171/6) باسناد صحيح من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: يا رسول الله! أرأيت ان وافقت ليلة القدر ما أقول؟! قال: «تقولين اللهم! انك عفو تحب العفو فاعف عني».

 

والحمد لله الذي بلغنا رمضان وبلغنا العشر الأواخر منه، واللهم! اجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم، ولا تكلنا الى أنفسنا طرفة عين، واختم بالصالحات أعمالنا.

 

ولله من شهر الصيام مودع
على كل محتوم السعادة يكرم

تنزل فيه الذكر من عند ربنا
فيبدأ بالذكر الجميل ويختم

ولله فيه من ليال منيرة
أضاء بنور الوحي منهن مظلم

وصابت سحاب الدمع يمحى بمائها
من الصحف أوزار تخط ومأثم

ولله فيه ليلة القدر قد غدت
على ألف شهر في الثواب تقدم

تبيت بِها حتى الصباح بإذنه
ملائكة السبع الطباق تسلم

 

د/عبدالعزيز بن ندَى العتيبي

جريدة الوطن (الكويت)
أغسطس – 2011

 

This entry was posted in General and tagged , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

*

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>